ندوة بأصوات الأبطال.. «نصر أكتوبر» يعود من جديد في قاعة نقاش حيّة
محررو موقع المشهد الان أثناء تغطية ندوة نصر أكتوبر بالمجلس الأعلي للثقافة
- اللواء أيمن حب الدين:
- الروح المعنوية كانت تسبق السلاح في المعركة
- “صائد الدبابات”:
- ما قمت به كان نتيجة تدريب دقيق وانضباط صارم
- اللواء محمد الغمراوي:
- نصر أكتوبر درس متكامل في الإرادة والتخطيط والعمل الجماعي
كتب: منة بكير
إعداد وتصوير: يوأنا جوزيف
سيف نبيل
لم تكن الندوة التي شهدتها قاعة اللقاء داخل المجلس الأعلى للثقافة في يوم 4 مارس مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل بدت وكأنها نافذة زمنية أعادت الحضور إلى لحظات فارقة من تاريخ مصر، حيث عادت أجواء حرب أكتوبر 1973 لتُروى هذه المرة بأصوات من صنعوا تفاصيلها بأنفسهم.
منذ اللحظة الأولى، فرضت طبيعة الندوة – التي جاءت في شكل طاولة نقاش دائرية – حالة من القرب والحميمية بين الضيوف والحضور.
لم يكن هناك حاجز تقليدي بين “متحدث” و”مستمع”، بل حوار مفتوح تُصاغ فيه الذاكرة الوطنية بشكل حي، تتداخل فيه الشهادات مع الأسئلة، والمشاعر مع الوقائع.
جلس أبطال الحرب في مواجهة جيل جديد لم يعاصر تلك اللحظات، لكنه جاء باحثًا عن فهم أعمق لمعنى النصر.

ومع بداية الحديث، تحولت القاعة إلى مساحة إنصات كاملة، حيث لم تعد الكلمات مجرد روايات، بل شهادات نابضة بالحياة.
وتحدث اللواء أيمن حب الدين عن تجربته خلال الحرب، مستعيدًا تفاصيل دقيقة من كواليس تلك المرحلة، خاصة ما يتعلق بفترة ما قبل العبور، مؤكدًا أن التحدي الأكبر لم يكن فقط في مواجهة العدو، بل في استعادة الثقة بعد النكسة.
وقال إن الإعداد النفسي للمقاتلين لعب دورًا حاسمًا، مشيرًا إلى أن “الروح المعنوية كانت تسبق السلاح في المعركة”.
ولم يكن الحديث عسكريًا بحتًا، بل امتد ليشمل البعد الإنساني للمقاتلين، حيث روى كيف كان الجنود يتشاركون لحظات القلق والأمل، وكيف تحولت تلك المشاعر إلى دافع قوي نحو تحقيق النصر.

وفي لحظة لافتة، جذب “صائد الدبابات” محروس رزق انتباه الحضور، حين بدأ في سرد تجربته الميدانية، موضحًا كيف استطاع التعامل مع دبابات العدو في ظروف شديدة الخطورة.
لم يتحدث بلغة بطولية مبالغ فيها، بل بلغة بسيطة تحمل الكثير من الواقعية، مشيرًا إلى أن ما قام به لم يكن بطولة فردية بقدر ما كان نتيجة تدريب دقيق وانضباط صارم.
ووسط هذا السرد، بدا واضحًا تأثير تلك اللحظات على الحضور، حيث سادت حالة من التركيز والانبهار، خاصة مع التفاصيل التي لا تُذكر عادةً في الكتب أو المناهج الدراسية.
على جانب آخر، أضفى الكاتب والباحث أبو الفتوح البرعصي طابعًا وجدانيًا مميزًا على الندوة، من خلال إلقاء عدد من القصائد الوطنية التي أعادت إحياء روح تلك الفترة.
لم تكن الكلمات مجرد أبيات شعرية، بل انعكاسًا صادقًا لحالة وطنية عاشها جيل كامل، وهو ما ظهر جليًا في تفاعل الحضور وتصفيقهم المتكرر.
ومع فتح باب النقاش، تحولت الندوة إلى مساحة تفاعلية حقيقية، حيث طرح الحضور العديد من الأسئلة التي تنوعت بين الجوانب العسكرية والإنسانية للحرب.
وسعى المشاركون من الأبطال إلى الإجابة عنها بصراحة ووضوح، في محاولة لنقل الصورة الكاملة كما عاشوها، بعيدًا عن أي تجميل أو اختزال.
كما شهدت الندوة لحظة تعارف بين الحضور والضيوف، في مشهد عكس رغبة متبادلة في التواصل بين جيلين: جيل خاض المعركة، وجيل يسعى لفهمها واستلهام معانيها.
ومع اقتراب الندوة من نهايتها، ألقى اللواء محمد الغمراوي كلمة رسمية، أكد خلالها أن انتصار أكتوبر لم يكن مجرد حدث عسكري، بل درس متكامل في الإرادة والتخطيط والعمل الجماعي.
وشدد على أهمية الحفاظ على هذه الذاكرة الوطنية ونقلها للأجيال القادمة، باعتبارها جزءًا من الهوية المصرية.
اللافت في هذه الندوة أنها لم تكتفِ بسرد التاريخ، بل أعادت تقديمه كقصة إنسانية حيّة، حيث لم يعد “نصر أكتوبر” مجرد فصل في كتاب، بل تجربة تُروى وتُحس وتُفهم من جديد.
وفي النهاية، غادر الحضور القاعة وهم يحملون أكثر من مجرد معلومات، بل تجربة كاملة أعادت تشكيل وعيهم بتلك المرحلة، وكأن الرسالة كانت واضحة: التاريخ لا يُحفظ فقط… بل يبقى حيًا.



