ببركة الله تسير| موائد الرحمن بشوارع المحروسة في رمضان.. نموذج حي للتكافل الاجتماعي
- ضا العجوز:
- أوزع مع الناس منذ صغري وأحب أن أفطر معهم
- ليس شرطًا أن يكون من يأكل في مائدة فقيرًا
- المائدة تستقبل مختلف الديانات والجنسيات
- أم أميرة:
- شباب المنطقة يساعدون في التوزيع لكن أنا فقط من أقوم بالطبخ
- هناك أشخاص يعتبرون المائدة مثل الجمعية فيرسلون أرزًا أو خضراوات
- من ينظمها مرة يدمنها وأنا أنتظرها من السنة للسنة
كتب/ هنا محمد مصطفى
مع قدوم شهر رمضان، تتحول شوارع الحسين إلى مشهد حي من الزحام والنشاط، حيث تنتشر موائد الرحمن التي تقدم وجبات الإفطار للصائمين من مختلف الطبقات والجنسيات.
الأرصفة تمتلئ بالأطعمة المتنوعة، من الأرز والطبيخ واللحوم والفراخ إلى العصائر والحلويات، في أجواء من الكرم والتكافل الاجتماعي.
«المشهد الآن» التقت أحد المسئولين عن هذه الموائد، ويدعى رضا العجوز، ليتضح حجم الجهد المبذول للحفاظ على استمرار العطاء وروح المشاركة خلال الشهر الكريم.
رضا العجوز، من مواليد الجمالية ويعمل في محل إكسسوارات نحاس، يبلغ من العمر 55 عامًا، يشارك في موائد الحسين منذ سنوات طويلة.
ووصف “العجوز” بداياته، قائلًا: “لقد ترعرعت وهذه الموائد هنا، وأعدُّ من أوائل الناس الذين أقاموا موائد هنا”.
ويشرح دوره في التوزيع موضحًا: “أوزع مع الناس منذ صغري، وأحب أن أفطر معهم”.
وعن التجارب الغريبة التي صادفها على المائدة، يشير إلى أن الخلافات بين الصائمين أمر طبيعي، قائلًا: “المشاجرات تحدث بشكل عادي بين الصائمين ويجب أن نتحمل، والمائدة ليست عيبًا ولا حرامًا، لأن الغني يكون لديه أموال معاه ويحب أن يتصدق بيها ويطعم الصائمين، والله أمرنا أن نطعم الصائمين، والصائم قد يكون آتيًا من مشوار بعيد ولن يستطيع اللحاق بالإفطار في بيته، فيجد مائدة وليس عيبًا أن يجلس فيها، ويمكن أن تكون أمواله لا تكفية ليأكل في مطعم أو محل، أو قد يكون شخصًا أعزب، ويأكل وحده، فليس شرطًا أن يكون من يأكل في مائدة فقيرًا، والمفترض أن يشعر الغني بالفقير وهو يجلس معه”.
وعن التنوع الديني والجنسيات، يؤكد رضا: “هناك ديانات أخرى، وهناك أجانب، وتوجد بجوارنا منطقة اسمها الدراسة، يعيش فيها جنسيات من شرق آسيا ويأكلوا من المائدة سواء في رمضان أو غير رمضان”.
ويشير أيضًا إلى توزيع الطعام في غير رمضان قائلًا: “هناك توزيع في أوقات غير الشهر الكريم ، فبمنطقة الدراسة مكان اسمه تكية يقام طول السنة، ويوزع إفطارًا، وغداءً، وعشاءً”.
وعن محتويات المائدة، يوضح أنها عصائر وأرز وطبيخ ولحوم ودجاج.
أما الحاجة أم أميرة، المسئولة عن مائدة رحمن في نفس المنطقة، فتدير المائدة بنفسها منذ سنوات عديدة، مؤكدة دورها الشخصي في تقديم الطعام: “لا أحد يتكفل أو يتبرع للمائدة، أنا من أتكفل بكل شيء، لكن هناك أشخاصًا يعتبرون المائدة مثل الجمعية، فيرسلون أرزًا أو خضراوات، أو طبق لحم أو قطعة دجاج، لكن الحمد لله نحن ننظمها كلها”.
وعن المساعدات في التوزيع، تقول: “أولادي وأولاد الحاج رضا العجوز وشباب المنطقة يساعدون في التوزيع، لكن أنا فقط من أقوم بالطبخ، والشباب يرتبون المناضد ويضعون الطعام للناس”.
وتتحدث عن مواقف القلق أثناء التوزيع، مؤكدة وجود بركة الله في استكمال الطعام: “أحيانًا ننظر لوعاء الطعام ونقول إنه لن يكفي الجميع، لكن سبحان الله الكل يأكل”.
وعن الأسعار، توضح: “لا أحسبها أبدًا، ننظم المائدة منذ عدة سنين، ولا أعرف كم تكلفتها، وهي ببركة الله تسير، سواء ارتفعت الأسعار أو انخفضت”.
وعن موقفها من غلاء الأسعار وتأثيره على استمرار المائدة، تقول: “لا يوجد شيء اسمه لن ننظم مائدة هذا العام، وأنا أطهو الطعام أدعو الله ألا يقطع هذه العادة منا، ومن ينظمها مرة يدمنها، حتى لو اقترض أموالًا، وأنا أنتظرها من السنة للسنة وأدعو الله أن يمد عمرنا لنظل نقيمها، وأن أستمر في عملها بيديّ أيضًا ولا يساعدني أحد فيه”.
أما عن استقبال السياح والزوار الأجانب، فتوضح: “هناك مسيحيون وأجانب يأتون لياكلوا، والأجانب تكون لديهم رغبة في معرفة ما يأكلون، الحمد لله هي للكل، اسمها مائدة رحمن، وليست ملكًا لأحد، الله يكلف كل واحد فينا بأن يفعل شيئًا، لكنها ملك لله، وكل شيء فيها يخرج لله، وهي من عند الله”.
موائد الرحمن في الحسين تمثل نموذجًا حيًا للتكافل الاجتماعي وروح التعاون بين جميع الفئات، حيث يلتقي الغني بالفقير والمصري بالأجنبي والمختلف ديانة وثقافة، في مساحة واحدة من العطاء والبركة.
جهود رضا العجوز والحاجة أم أميرة تظهر الالتزام الشخصي والتفاني في خدمة الآخرين، ما يضمن استمرار المائدة رغم كل التحديات الاقتصادية.
هذه المبادرات تثبت أن روح رمضان الحقيقية تكمن في المشاركة، التضامن، والكرم، وأن العمل الخيري الشخصي يمكن أن يكون له أثر كبير ومستمر في المجتمع.
