بين التنظيم والعشوائية.. هل تنجح الدولة في حل أزمة الباعة الجائلين بالقاهرة؟
صورة إرشيفية ترصد شكل أزمة الباعة الجائلين
الدولة اتجهت إلى تطبيق نموذج مختلف يعتمد على تنظيم وجود الباعة بدلًا من إزالتهم
إنشاء موقف متعدد الطوابق ومول تجاري برمسيس لنقل الباعة الجائلين إليه
ظاهرة الباعة الجائلين تزداد بشكل ملحوظ خلال المواسم
محافظ القاهرة:
نستهدف توفير بدائل مناسبة تضمن الحفاظ على مصدر رزق البائعين
نجاح عدد من التجارب السابقة ساهم في الحد من الفوضى وتحسين الحركة المرورية
إعداد: سما محمد السيد
في شوارع القاهرة المزدحمة، لم يعد مشهد الباعة الجائلين مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى واقع يومي يفرض نفسه على المارة وحركة المرور معًا.
وفي الوقت الذي يسعى فيه هؤلاء لكسب لقمة العيش، تتزايد شكاوى المواطنين من الزحام والإزعاج، خاصة في مناطق حيوية مثل العتبة ورمسيس.
وبين هذا وذاك، تبرز محاولات الدولة لإيجاد حلول توازن بين حق العمل وضرورة التنظيم.
تُعد منطقة العتبة واحدة من أبرز المناطق التي تعاني من انتشار الباعة الجائلين، حيث تكاد بعض شوارعها تُغلق تمامًا أمام حركة السيارات، نتيجة التكدس والعشوائية.
ورغم تعدد المحاولات السابقة للحد من هذه الظاهرة، إلا أنها لم تحقق النتائج المرجوة.
وفي محاولة جديدة، اتجهت الدولة إلى تطبيق نموذج مختلف يعتمد على تنظيم وجود الباعة بدلًا من إزالتهم، من خلال تطوير عدد من الشوارع القريبة من ميدان العتبة، مثل شوارع الجوهرى والعسيلى وامتداده، ويوسف نجيب.
ويشمل هذا النموذج إنشاء طاولات مخصصة للباعة الذين تم حصرهم مسبقًا، مع إعادة توزيعهم بشكل يسمح بفتح ممرات للمشاة والسيارات.
كما يتضمن المشروع دعم هذه الشوارع بكاميرات مراقبة، وأكشاك أمن، وشبكات لمكافحة الحريق، إلى جانب ترقيم أماكن الباعة لمنع التعدي أو إعادة الفوضى مرة أخرى.
ولا تقتصر جهود الدولة على العتبة فقط، حيث تم تنفيذ أسواق حضارية في مناطق أخرى، مثل المقطم، والتي استوعبت أعدادًا كبيرة من الباعة الجائلين، خاصة في منطقة مساكن الزلزال، من خلال توفير محال بديلة بأسعار مناسبة.
أما في ميدان رمسيس، فتسير خطة التطوير في اتجاه مختلف، حيث يتم إنشاء موقف متعدد الطوابق ومول تجاري، بهدف نقل الباعة الجائلين إليه، والقضاء على المواقف العشوائية التي تتسبب في اختناقات مرورية مستمرة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، أن هذه الجهود تأتي تنفيذًا لتوجيهات الدولة بإيجاد حلول جذرية لأزمة الباعة الجائلين، مع توفير بدائل مناسبة تضمن الحفاظ على مصدر رزقهم، وفي الوقت نفسه إعادة الانضباط إلى الشارع.
وقال إن نجاح عدد من التجارب السابقة، مثل تطوير مناطق عين شمس وألف مسكن، وإنشاء أسواق بديلة ومواقف منظمة، ساهم في الحد من الفوضى وتحسين الحركة المرورية.
وتزداد ظاهرة الباعة الجائلين بشكل ملحوظ خلال المواسم، خاصة في شهر رمضان والأعياد، حيث تنتشر بشكل أكبر أمام المساجد والمراكز التجارية.
ويرى مختصون أن هذه الظاهرة لا تقتصر على مصر فقط، بل تمتد إلى العديد من الدول، لما لها من أبعاد اقتصادية واجتماعية.
وفي الوقت الذي تمثل فيه مصدر دخل لفئات محدودة الدخل، فإنها تطرح تحديات تتعلق بسلامة المنتجات المعروضة، خاصة الغذائية منها، فضلًا عن تأثيرها السلبي على النظام العام وحركة السير.
يتفق العديد من الخبراء على أن الحل لا يكمن في المنع الكامل، بل في التنظيم الذكي، من خلال إنشاء أسواق مخصصة أو موسمية، تستوعب هذه الفئة وتوفر بيئة آمنة ومنظمة للبيع والشراء.
كما أن توفير أماكن بديلة بأسعار مناسبة، مع رقابة مستمرة، قد يكون خطوة فعالة للحد من العشوائية، دون الإضرار بمصدر دخل هؤلاء الباعة.
بين الحاجة إلى العمل وضرورة النظام، تظل أزمة الباعة الجائلين واحدة من القضايا المعقدة التي تتطلب حلولًا متوازنة.
ورغم الجهود المبذولة، يبقى نجاح هذه التجارب مرهونًا بمدى الالتزام بالتنظيم واستمرار الرقابة، حتى تتحقق المعادلة الصعبة: شارع منظم.. دون قطع أرزاق البسطاء.
