جندي أمام 13 دبابة.. كيف كتب محروس رزق سطورًا من النصر؟
- بعد 67 شعرت بأنني يجب أن أكون جزءًا من الرد
- النجاح كان “عمل فريق” وليس بطولة فرد
- العبور لحظة عمر لا تُنسى
- الحرب تجعلك ترى الحياة بشكل مختلف
- ما حدث في أكتوبر لم يكن صدفة بل نتيجة تعب طويل وإيمان بأننا يجب أن ننتصر
- لا تنظروا للتاريخ كأنه قصة بعيدة.. هو أقرب لكم مما تتخيلوا
كتب: منة بكير
في قاعة المجلس الأعلى للثقافة، وخلال ندوة أُقيمت احتفاءً بذكرى حرب أكتوبر 1973، لم يكن المشهد تقليديًا، لم تكن مجرد كلمات تُقال عن الحرب، بل رجل جلس بهدوء، يحمل في صوته تفاصيل معركة لم تنتهِ داخله بعد.
إنه الرقيب محروس رزق عطا الله، الشهير بـ”صائد الدبابات”، أحد الذين لم يقرأوا الحرب في كتب التاريخ، بل كتبوها على الأرض.
في هذا الحوار مع «المشهد الآن»، لم يتحدث عن بطولاته كأرقام، بل كاختيارات، ومواقف، ولحظات كان الفارق فيها بين الحياة والموت “قرار”.
دعنا نبدأ من الإنسان قبل البطل، من هو محروس رزق قبل الحرب؟
أنا كنت شابًا عاديًا جدًا، مثل أي شاب في هذا الوقت، لكن بعد 67، لم يبق أحد فينا “عاديًا”.
الإحساس بما حدث كان ثقيلًا، وجع، وغضب، وسؤال واحد يدور في أذهاننا: ” كيف حدث هذا؟”.
ومن هنا بدأ يتحول لشيء آخر بداخلي، إحساس أنني يجب أن أكون جزءًا من الرد.
لم أكن أبحث عن بطولة، كنت أبحث عن حق.
متى بدأت تشعر أنك لم تعد مجرد جندي، بل داخل مواجهة مختلفة؟
أول مواجهة حقيقية مع دبابة، هذه هي اللحظة التي غيّرتني.
أنت تقف أمام آلة ضخمة، مدرعة، ترى نفسها أقوى منك بكثير، ولو فكرت فيها بهذه، ستخاف.
أنا قررت أن أنظر لها بشكل آخر، ليس كـ”دبابة” كهدف.
وعندما استقرت هذه الفكرة في دماغي، كل شيء اختلف، التركيز زاد، والخوف أصبح تحت السيطرة.
لحظة إطلاق الصاروخ الأولى، ماذا كان يدور داخلك؟
هذه اللحظة لم يكن فيها تفكير كثير، هي خليط غريب من تركيز شديد جدًا وسكون داخلي.
أنت تعرف أن لديك ثوانٍ قليلة جدًا، وكل شيء يجب أن يكون محسوبًا.
وعندما يخرج الصاروخ، تنتظر النتيجة وكأن الزمن توقف.
أول إصابة ناجحة، كانت لحظة فاصلة.
ليس لأنه “انتصار”، لكن لأني فهمت أنني أستطيع عملها ثانيةً.
دمرت 13 دبابة.. رقم كبير جدًا، هل كنت واعيًا بذلك وقتها؟
لا أبدًا، لم أكن أعدّ، ولم أكن مهتمًا بالأرقام.
كل موقف كان له ظروفه، وخطورته، وحسابه الخاص.
وأنا كنت أرى أنني أنفذ مهمة، ولا أقوم بإنجاز.
والحقيقة التي يجب أن تقال، أنه لا يوجد أحد يفعل هذا وحده.
هناك تدريب، وتنظيم، وناس حولك تدعمك في كل لحظة.
النجاح كان “عمل فريق”، وليس بطولة فرد.
هل كان الخوف حاضرًا؟ أم تجاوزته؟
الخوف موجود طبيعي، لكن الفرق أنك لا تجعله يتحكم فيك.
كنت أحوّل الخوف لتركيز، كلما يزيد الخطر، كلما تكون أدق.
هناك لحظات كثيرة كنت أعرف فيها احتمالية عدم عودتي، لكن كنت مركزًا فيما بين يديّ، وليس في النهاية.
ماذا عن لحظة العبور؟ كيف عشتها؟
هذه لحظة عمر لا تُنسى.
أكثر شيء أتذذكره ليس الصورة، بل الصوت.
صوت “الله أكبر” كان يملأ المكان بطريقة غير طبيعية.
الإحساس وقتها أنني لست وحدي، هناك قوة أكبر، وهناك بلد كامل ورائي.
لم نشعر بأننا نعبر قناة فقط، بل نعبر من مرحلة لمرحلة.
بعيدًا عن القتال، ماذا عن الإنسان داخلك وسط كل هذا؟
الإنسان يحاول التمسك بأي شيء بسيط، ضحكة مع زميل، كلمة، حتى لحظة هدوء.
لكن الحرب تغيّرك، تجعلك ترى الحياة بشكل مختلف.
تفهم قيمة كل شيء، ويمكن أهمها أنك تعيش بصدق.
بعد كل هذه السنوات، كيف ترى “النصر” الآن؟
النصر ليس لحظة وانتهت، النصر حالة تبقى بداخلك.
هو أنك تثبت لنفسك أنك كنت على قدر المسئولية، وأنك لم تتراجع في وقت كان يمكن فيه التراجع.
ما حدث في أكتوبر لم يكن صدفة، بل نتيجة تعب طويل، وإيمان بأننا يجب أن ننتصر.
ماذا تقول للشباب الذين يسمعون هذه الحكايات اليوم؟
لا تنظروا للتاريخ كأنه قصة بعيدة، هو أقرب لكم مما تتخيلوا.
نحن كنا أناسًا عاديين، لكن كان عندنا هدف واضح، وإيمان به.
وأي شخص يمكن أن يُحدث فرقًا، لو قرر أن يكون على قدر اللحظة.
انتهى الحوار، لكن بقي المعنى.
لم يكن “صائد الدبابات” يتحدث كبطل يبحث عن مجد، بل كإنسان وجد نفسه في اختبار حقيقي، فاختار أن ينجح فيه.
وربما كانت الجملة الأصدق التي لخصت كل شيء: “لم أكن بطلًا، كنت فقط أفعل ما يجب”.
