من قلب المجلس الأعلى للثقافة.. اللواء أيمن حب الدين: كنا نبني النصر في خيالنا حتى أصبح حقيقة
- الفترة بعد 67 كانت أصعب نفسيًا من الحرب نفسها
- رؤية نتائج “حائط الصواريخ” كانت اللحظة الفارقة بالنسبة لي
- الموضوع لم يكن مجرد معدات وصواريخ بل كان هناك بشر يعملون ليل نهار
- دعم أهالي مدن القناة شكّل فرقًا كبيرًا لنا
- لحظة العبور في أكتوبر كانت تاريخية بكل معنى الكلمة
كتب: منة بكير
داخل قاعة المجلس الأعلى للثقافة، وعلى هامش ندوة أُقيمت احتفالًا بذكرى حرب أكتوبر 1973، كان اللقاء مختلفًا هذه المرة.
ليس لأن المناسبة استثنائية فقط، بل لأن من يجلس أمامنا هو أحد الذين عاشوا التفاصيل كاملة، لا من قرأوها في كتب التاريخ.
اللواء أركان حرب أيمن حب الدين، أحد رجال الدفاع الجوي خلال الحرب، يتحدث بهدوء شديد، دون أي ادعاء بطولي، لكن كلماته تحمل ثقل التجربة.
في هذا الحوار مع «المشهد الآن»، لم يروِ فقط ما حدث، بل كيف كان يُصنع.
دعنا نبدأ من البداية، كيف كانت اللحظة التي استوعبتم فيها صدمة 1967؟
الحقيقة أن كلمة “صدمة” قليلة على ما حدث، كنا جيلًا يرى أن الجيش المصري قوي وقادر، وفجأة أصبح الواقع يقول غير ذلك.
لكن المهم أننا لم نقف عند هذه اللحظة، أول إحساس بعد الصدمة كان “يجب أن نعود ثانيةً، وبشكل أقوى”.
أتذكر جيدًا أن الفترة ما بعد 67 كانت أصعب نفسيًا من الحرب نفسها، كنا نتعامل مع إحباط، وفي نفس الوقت مطلوب منك أن تعمل وتبني وتستعد.
وهذا ما حدث فعلًا، بدأنا من الصفر تقريبًا، تدريب مكثف، وإعادة تنظيم، وتغيير في الفكر كله، وليس فقط في السلاح.
متى شعرت أن الأمور بدأت تتغير لصالحكم؟
التغيير لم يكن مفاجئًا، كان تدريجيًا جدًا، لكن اللحظة الفارقة بالنسبة لي كانت عندما بدأنا نرى نتائج “حائط الصواريخ”.
كنا نعمل عليه في ظروف صعبة جدًا؛ قصف مستمر، وضغط، وخسائر، لكن كنا مدركين أن هذا مشروع حياة أو موت.
عندما استطعنا أن نحمي سماءنا بشكل حقيقي، وقتها فقط أدركنا أنه بدأ يحدث توازن.
العدو كان معتمدًا بشكل كبير على تفوقه الجوي، وعندما كُسر هذا، المعادلة كلها تغيرت.
كثيرون يسمعون عن “حائط الصواريخ” دون فهم تفاصيله، كيف كان يُبنى على الأرض؟
ببساطة شديدة كان “شغل بالعافية”، نحن كنا ننقل المعدات ونتحرك خطوة خطوة تحت القصف، وكل موقع جديد يُبنى، كان يجب على الموقع السابق له أن يحميه.
كانت عملية أشبه بالزحف البطيء لكن المدروس جدًا.
كل يوم كنا نقترب أكثر من القناة، وكل يوم الخطر يزيد، لكن في نفس الوقت الثقة كانت تزيد.
والأمر الذي قد لا يعرفه الناس؛ أن الموضوع لم يكن مجرد معدات وصواريخ، بل كان هناك بشر يعملون ليل نهار، تحت ضغط نفسي وعصبي رهيب.
هل تتذكر أول لحظة شعرت فيها أنكم “أمسكتم السماء” فعليًا؟
نعم، هذه اللحظات لا تُنسى، أول طائرة سقطت أمامنا كانت بمثابة إعلان أننا عدنا.
ليس مجرد إسقاط طائرة، لا، هذا كان كسرًا لحاجز نفسي كبير جدًا.
وقتها شعرنا أننا ليس فقط ندافع، بل بدأنا نفرض وجودنا.
هذه اللحظة غيرت إحساسنا بالكامل، من حالة دفاع إلى حالة ثقة.
بعيدًا عن العمليات، ماذا عن الحياة اليومية للجنود في تلك الفترة؟
الحياة كانت بسيطة جدًا لكن مليئة بالضغوط.
لا توجد رفاهية، ولا استقرار، لكن لدينا هدف واضح.
كنا نضحك ونمزح بشكل عادي جدًا وسط كل هذا، وهذا كان مهمًا.
لو لم يحاول الإنسان أن يعيش بشكل طبيعي حتى في أصعب الظروف، يمكن أن ينهار.
أتذكر مواقف بسيطة، لكنها مؤثرة، مثل الدعم الذي كان يصل لنا دعم من أهالي مدن القناة، أو حتى رسالة بسيطة.
هذه الأشياء شكلت فرقًا كبيرًا لنا، وتشعرنا أننا لسنا وحدنا.
هل كان الخوف حاضرًا؟ أم كان الإحساس مختلفًا؟
طبعًا كان يوجد خوف، ومن يقول غير ذلك ليس صادقًا، لكن الفكرة أنك تتعلم كيف تسيطر عليه.
الخوف لا يختفي، لكنه بيتحول لدافع يجعلك تركز أكثر.
أنت تعلم أن أي خطأ يمكن أن يكلفك حياتك، فتكون دقيقًا جدًا في كل شيء.
ومع الوقت، يصبح لديك نوع من التوازن بين الخوف والإصرار.
كيف رأيت لحظة العبور في أكتوبر؟
كانت لحظة تاريخية بكل معنى الكلمة، ليس فقط بسبب العملية نفسها، لكن بسبب معناها.
كنا ننتظر هذه اللحظة سنوات، وعندما جاءت، شعرنا أن كل التعب الذي مضى كان له معنى.
كان هناك إحساس عام أننا بنكتب صفحة جديدة، ليس فقط في الحرب، لكن في تاريخ البلد كلها.
في رأيك، ما التعريف الحقيقي للنصر؟
النصر ليس مجرد أنك تكسب معركة، النصر الحقيقي أن تستعيد ثقتك بنفسك، وتفرض إرادتك.
ما حدث في أكتوبر كان أكبر من مكسب عسكري، كان استعادة لروح كاملة، وهذا ما جعل تأثيره مستمرًا حتى الآن.
ماذا تقول للشباب الذين لم يعيشوا هذه المرحلة؟
أقول لهم: حاولوا أن تفهموا، لا أن تحفظوا فحسب، التاريخ ليس فقط حكاية، بل تجربة.
نحن لم نكن أفضل ناس في العالم، لكن كنا مؤمنين أننا نستطيع.
وهذه أهم رسالة: الإيمان + العمل = نتيجة.
لم يكن الحديث مع اللواء أيمن حب الدين مجرد لقاء صحفي، بل رحلة داخل ذاكرة رجل عاش الحرب بتفاصيلها، واحتفظ بها كما هي دون تزييف أو مبالغة.
وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من هذا اللقاء أن النصر لا يولد في لحظة، بل يُبنى بصبر طويل، وإرادة لا تعرف التراجع.
