دار صلاح الدين بمدينة 15 مايو.. نموذج إنساني يصنع الأمل ويعيد تشكيل المستقبل
- رسالتها تعويض غياب الأسرة وخلق بيئة بديلة قائمة على الاحتواء والدعم
- الأطفال لا يعيشون كأفراد متفرقين بل كعائلة واحدة
- العلاقة بين المشرفين والأطفال تقوم على الثقة والاحترام
- الاعتماد الكامل على التبرعات أبرز التحديات أمام الدار
كتب: منة بكير
إعداد وتصوير: ميار نور الدين محمد
عبد الرحمن محمود محمد
سيف طلعت
في قلب مدينة 15 مايو، تقف دار «صلاح الدين» كواحدة من النماذج الإنسانية التي تعكس الدور الحقيقي لمؤسسات الرعاية الاجتماعية في مصر.
ليست مجرد دار لإيواء الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، بل مساحة لإعادة بناء الإنسان، وصياغة مستقبل كان مهددًا بالضياع.
نشأة إنسانية ورسالة مستمرة
تُعد دار «صلاح الدين» من أوائل دور الرعاية التي أُنشئت في المنطقة، بهدف احتضان الأطفال وتوفير منظومة متكاملة من الرعاية، تشمل الجوانب المعيشية، والتعليمية، والنفسية.
منذ تأسيسها، حملت الدار رسالة واضحة: تعويض غياب الأسرة، وخلق بيئة بديلة قائمة على الاحتواء والدعم، بما يضمن للأطفال حياة كريمة وفرصًا متكافئة للنمو.
منظومة عمل قائمة على التكافل
تعتمد الدار في استمراريتها على التبرعات والدعم المجتمعي، في ظل غياب التمويل الحكومي المباشر، ما يضعها أمام تحدٍ دائم لتوفير الاحتياجات الأساسية للأطفال.
ورغم ذلك، تنجح إدارة الدار في تأمين متطلبات الحياة اليومية، من مأكل وملبس ورعاية صحية، إلى جانب الاهتمام بالتحصيل الدراسي والأنشطة الترفيهية.
ويشرف على الدار فريق من العاملين والمشرفين، لا يقتصر دورهم على الإدارة أو المتابعة، بل يمتد ليشمل الدعم النفسي والتربوي، في محاولة لتعويض ما فقده الأطفال من روابط أسرية.
الحياة داخل الدار.. نظام وانتماء
داخل الدار، تسير الحياة وفق نظام يومي منظم، يبدأ بالدراسة وينتهي بالأنشطة والفعاليات، في محاولة لخلق توازن بين الالتزام والترفيه.
الأطفال هنا لا يعيشون كأفراد متفرقين، بل كعائلة واحدة، تجمعهم علاقات أخوة قائمة على المشاركة والدعم.
يوسف، أحد أبناء الدار، البالغ من العمر 18 عامًا، يلخص هذه التجربة بقوله: “الدار بالنسبة لي مش مجرد مكان، دي بيت كبير اتعلمت فيه حاجات كتير، نفسي أبقى شخص ناجح وأثبت إن الظروف مش النهاية”.
كلمات تعكس وعيًا مبكرًا بقسوة الواقع، لكنها تحمل في الوقت ذاته إصرارًا واضحًا على تجاوزه.
إدارة تسعى للتأهيل لا الإيواء فقط
من جانبه، يؤكد الأستاذ أحمد، مدير الدار، أن الهدف لا يقتصر على تقديم الرعاية، بل يمتد إلى تأهيل الأطفال حتى سن 21 عامًا، لضمان قدرتهم على الاعتماد على أنفسهم بعد مغادرة الدار.
ويقول إن العلاقة داخل الدار تُبنى على مفهوم “الأسرة الممتدة”، حيث يتم التعامل مع الأطفال باعتبارهم أبناءً، وليسوا مجرد حالات رعاية.
أما أحد المشرفين، الذي يعمل بالدار منذ خمس سنوات، فيوضح أن العلاقة مع الأطفال تقوم على الثقة والاحترام، مع متابعة دقيقة لمستواهم الدراسي، وحرص دائم على دعمهم نفسيًا ومعنويًا.
تحديات قائمة.. وأمل لا ينقطع
رغم الجهود المبذولة، تواجه الدار تحديات مستمرة، أبرزها الاعتماد الكامل على التبرعات، ما يجعل استقرارها المالي عرضة للتقلبات.
ومع ذلك، تظل قادرة على أداء دورها، مدفوعة بإيمان القائمين عليها بأهمية ما يقدمونه.
بين المسؤولية المجتمعية وصناعة المستقبل
تكشف تجربة دار «صلاح الدين» عن حقيقة جوهرية أن رعاية الأطفال فاقدي الأسرة ليست مسئولية مؤسسة واحدة، بل مسئولية مجتمع كامل، فكل دعم، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يُحدث فارقًا في حياة طفل، ويمنحه فرصة جديدة للحلم.
في نهاية الزيارة، لا تبدو الدار كمجرد مكان للإقامة، بل كحكاية إنسانية مفتوحة، أبطالها أطفال يحملون في داخلهم طموحًا يتحدى الظروف.
دار «صلاح الدين» ليست فقط مأوى، بل بداية جديدة، تُكتب فيها قصص الأمل، وتُصنع فيها ملامح مستقبل أكثر إنصافًا.

